المدوّنة

Olive Trees in the Aleppian Countryside. Souce: esyria.sy

القدر الذي ينتظر أغصان الزيتون

مشروع حلب فبراير 7, 2017

تعتبر شجرة الزيتون من أهم رموز الحياة والسلام في الشرق الأوسط. فقد كانت جزءاً مركزياً من الحياة اليومية منذ آلاف السنين مما أعطاها قيمة رمزية وأهمية عملية أكثر من الأشجار الأخرى. ذُكر الزيتون في القرآن والإنجيل والتوراة وهناك أساطير مشتركة بين الديانات عن أصل هذه الشجرة. سُمِح لابن آدم الذي طُرد والديه من جنة عدن أن يعود إلى الجنة ويجلب البذور من شجرة المعرفة. هذه البذور كانت لزراعة شجرة الزيتون وشجرة السرو وشجرة الأرز. 

تستخلص دراسة أجراها المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلميةCentre National de la  Recherche Scientifique أن تحويل أشجار الزيتون البري إلى أشجارأهلية مثمرة يمكن استخدام حباتها في الطعام أو استخلاص الزيت بالطريقة التي نعرفها اليوم حصل قبل أكثر من ثمانية ألاف عام في المنطقة الواقعة اليوم على الحدود السورية التركية.[1] لعب الزيتون كقيمة غذائية دوراً مهماً في بناء المدينة وريفها. كما لعبت أشجار الزيتون دوراً أساسياً آخراً كونها المادة الأساسية في الصابون الحلبي الذي يعد مصدراً إقتصادياً مهماً للمدينة.  

إن معرفتنا بأن شجرة الزيتون تم تأهيلها في مدينة حلب وريفها يزيد من حزننا على ما يحدث من معاناة والثمن الغالي الذي يدفعه المدنيون في هذه الحرب. أصبحت سرقة (أو ما يعرف بـ “تعفيش”) بساتين الزيتون وبيع أشجارها (حتى الأشجار القديمة أحياناً) كحطب يستخدم للتدفئة، ظاهرة شائعة في ريف حلب. كانت ظاهرة تعفيش المنازل المهجورة وإفراغها من محتوياتها بالكامل حاضرة منذ بداية الحرب. مؤخراً، أصبح الشبيحة ووحدات الدفاع الوطني المسلحة كابوساً للمزارعين في ريف حلب الشمالي الشرقي بعد انتهاء المعارك واستيلاء النظام على بعض المناطق هناك بسبب قطعهم للأشجار في بساتين الزيتون والفستق الحلبي. تحتاج هذه الأشجار لعقود من الزمن حتى تنمو وتصبح أشجاراً منتجة من جديد، فضربة فأس واحدة قد تؤدي إلى فقدان جيل كامل. بالقيام بهذا العمل فإن الشبيحة لا يجنون المال فقط ببيع الحطب ولكنهم يدمرون الإمكانية الإقتصادية للجماعات التي تعيش هناك ويجبرونهم على الهجرة القسرية من مناطقهم. وهنا نرى بأن خطة الأسد لطرد أعدائه لا تقتصر على البراميل المتفجرة فحسب.

(أ. ح.) لاجئ سوري يعيش في ألمانيا حالياً يشارك قصته مع مشروع حلب:

كان لفصل الصيف أثر خاص في حياتي كوننا أنا وعائلتي كنا نقضيه مع الأهل في حلب. كانت تلك الأيام من الأجمل في حياتي وذلك لأنني كنت أقضيها في أرضنا وبين أشجارها في ريف حلب الشمالي الشرقي. كانت هذه الأشجار مصدراً للعديد من المنتجات التي كنا نأخذها معنا كـ”مونة”. لكن فصل الشتاء بالنسبة للأشجار هو موسم الخير وهو الذي يترك عليها أثراً جميلاً كونه يعطيها الحياة ويضخ النسغ في عروقها.

بعد الحرب تحول هذا الفصل إلى كابوس بالنسبة لهذه الأشجار وبالنسبة لأصحابها. بعد أن منع النظام دخول مواد التدفئة وقام بقطع الكهرباء عن هذه المناطق اضطر أصحاب هذه المزارع آسفين وباحثين عن الدفء لقطع هذه الأشجار التي كانت يوماً ما مصدر رزق لهم وظلا يستظلون به.[2]

لم يقتصر الأمر، وبحسب ما شاهدت من فيديوهات وقرأت من أبحاث ومقالات، على ذلك بل إن النظام السوري قام بحرق العديد من الحقول الزراعية ومن بينها أشجار الزيتون وذلك من خلال ما كانت تطلقه طائراته من صواريخ وحمم بقصد القضاء على مصدر رزق الناس مما يضطرهم لهجرة البلاد.[3] وبذات الوقت كانت تشكل هذه الأشجار وهذه الحقول مأوى للنازحين من المناطق السكنية من طائرات النظام وصواريخه التي لاحقتهم أيضا بين تلك الأشجار. وهذا ما حدث بحسب فيديو منشور على اليوتيوب يوضح احتراق أشجار الزيتون بسبب قصف النظام على بلدة الأتارب في ريف حلب الشمالي في الشهر السابع من عام 2012.

وصلني خبر من أحد أقاربي الذين ما زالوا يعيشون في قريتنا “جب غبشة” في الريف الشمالي الشرقي من حلب أن هناك عناصر مما يسمون الشبيحة قاموا بقطع أشجار الزيتون في هذه المناطق ويقدر عدد الأشجار في قريتنا بـ 3000 شجرة وبحسب الأخبار المتداولة فإن هذه الأشجار المقطوعة يتم المتاجرة بها من قبل هذه الجماعات وبيعها كحطب.

ليس هذا وحده ما ساهم في تراجع الإنتاج الزراعي من الزيتون وغيره من المحاصيل الأخرى، بل كذلك هجرة الأهالي وترك هذه المحاصيل لمواجهة مصيرها سواء بالعطش او الاهمال.

ربما سيلومنا البعض على حزننا تجاه هذه الأشجار بعد ان تدمرت معظم البنى التحتية في سوريا وقتل ما يزيد عن نصف مليون مواطن لكن إعادة الإعمار ربما تضمن لي ولغيري إعمار بيوتهم التي دمرتها طائرات النظام وصواريخه لكنها لن تضمن لي عودة شجرة عمرها ما يزيد عن الثلاثين عاماً ولن تضمن لي أن أحصل على (المونة) التي كنت أتزود بها في رحلات الصيف.

كانت السرقة (أو التعفيش) دائماً جزءاً من الحرب وإحدى الطرق المستخدمة لتجنيد المقاتلين ومكافأتهم ومعاقبة الأشخاص الذين ثاروا ضد النظام الحاكم.  تدمير الأراضي الزراعية أيضاً له تاريخ طويل. مؤخراً، كانت مسألة قطع الأشجار حول المستوطنات اليهودية الغير شرعية في الأراضي الفلسطينية مسألة مثيرة للجدل على وجه الخصوص. بناءً على المزاعم التي تقول بأن بساتين الزيتون قد تكون مأوىً للقناصين قامت القوات الإسرائيلية بإيقاف منظمة B’TSelem الإسرائيلية لحقوق الإنسان التي اتهمت المستوطنين الإسرائيلين بمضايقة وحتى إطلاق النار على الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون الاعتناء ببساتينهم.[4] تم اقتلاع حوالي ٢,٥ مليون شجرة ثلثها كان من أشجار الزيتون في الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧.[5]

في القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان وفي زمن الحاكم سولون، تم إعادة كتابة الدستور في أثينا لحماية أشجار الزيتون. وكانت عقوبة الموت بانتظار كل شخص يقدم على قطع شجرة زيتون واحدة. يجب أن ندرك بأن ما يتم فعله من تدمير هائل لأشكال الحياة المختلفة في سوريا يمثل جريمة حرب. المادة ٨، الجزء ٢أ، رقم ٤ تقول أن “الدمار الواسع والإستيلاء على الملكيات الغير مبرر بضرورة عسكرية والمستخدم بشكل غير شرعي وعشوائيً هو جريمة حرب.[6]” قد لا تكون العقوبة اليوم بصرامة العقوبة اليونانية القديمة ولكن شناعة الجريمة هي نفسها.

Jub Ghabsha Credit to A.H


[1]  :انظر Catherine Marie Breton, Peter Warnock and André Jean Berville (2012). Origin and History of the Olive, Olive Germplasm – The Olive Cultivation, Table Olive and Olive Oil Industry in Italy, Dr. Innocenzo Muzzalupo (Ed.), InTech, DOI: 10.5772/51933

المقالة متوفرة على الرابط التالي:

http://www.intechopen.com/books/olive-germplasm-the-olive-cultivation-table-olive-and-olive-oil-industry-in-italy/origin-and-history-of-the-olive

[2]  علي الإبراهيم، أشجار سوريا في مقاومة البرد القارس تمدن الالكترونية، ٢٤\٠٢\٢٠١

goo.gl/dsWtDq

[3]  نبيل طعمة، جريدة الأزمنة الالكترونية، الحطب مؤونة الشتاء ولصوص الليل يهربون الأحطاب إلى المناطق والقرى

للإتجار بها! والزيتون ضحية التدفئة، ٢٦\٠١\٢٠٠٦

http://www.alazmenah.com/new/?page=show_det&category_id=13&id=117590

عمران عزالدين، الأشجار التي أصبحت حطبا”، ألوان راديو اف ام، ٠١\٠٤\٢٠١٦

[4]  Cesar Chelala. Palestinian Olive Trees: Destroying a Symbol of Life. Counterpunch. 3 November 2015.

Palestinian Olive Trees: Destroying a Symbol of Life

[5]  Relief Web.Fact Sheet: Olive Trees – More than Just a Tree for Palestinians. 21 November 2012. http://reliefweb.int/report/occupied-palestinian-territory/fact-sheet-olive-trees-–-more-just-tree-palestine

[6]  The Rome Statute. http://legal.un.org/icc/statute/99_corr/cstatute.htm

 

 


 

مشروع حلبالقدر الذي ينتظر أغصان الزيتون